الشيخ ناجي طالب آل فقيه العاملي

66

دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة )

والفارق بين التقريبين ان التقريب الاوّل يتكفّل مئونة اثبات جري أصحاب الأئمة فعلا على العمل بخبر الثقة ، بينما التقريب الثاني لا يدّعي ذلك ، بل يكتفي باثبات الميل العقلائي العام إلى العمل بخبر الثقة ، الامر الذي يفرض على الشارع الردع عنه - على فرض عدم الحجيّة - لئلّا يتسرّب هذا الميل إلى مجال الشرعيات « * » .

--> ( * ) الصحيح في كيفية الاستدلال بالسيرة هو انها عقلائية ابتداء - وهي على اتّباع خصوص الاخبار الموثوق بصحّتها - متشرّعية بقاء - وهي على اتّباع اخبار الثقات مطلقا اي حتّى ولو لم تورث وثوقا بصحّتها واطمئنانا . . بيان ذلك يحتاج إلى تقديم بعض أمور فنقول : الامر الاوّل : إن العقلاء كما هو معروف ليس عندهم أصول وقواعد تعبدية يعملون على طبقها من غير أساس عقلائي واضح ، وهذه مقالة السيد المصنف ( قده ) أيضا ( راجع مثلا بحث حجية الظهور . أواخر مسألة « الظهور الموضوعي في عصر النص » ) قال « والسرّ في ذلك ان البناءات العقلائية انما تقوم على أساس حيثيات كشف عامّة نوعية . . . » ومعنى هذا أنهم لا يعملون بالظن سواء أكان مصدره خبر ثقة أم حتّى عشرين خبر ثقة ما لم يحصل منها وثوق واطمئنان ، وامّا اتباعه في بعض الحالات فهو إمّا من باب حصول وثوق منه أو للاحتياط أو لان أصل الموضوع لا يحتاج إلى وثوق وانما يكفي عند السامع درجة معيّنة من الكاشفية كما لو أراد ان يبعث رسالة إلى صديقه المسافر ليطمئن عن صحّته ليس أكثر ، فأعطاه أحد الثقات عنوانه في السفر أو قال له انه مريض ونحو ذلك وليس هذا العمل يدلّ على اتّباع العقلاء لاخبار الثقات خاصّة في مجال الشرعيات ما لم يحصل عندهم وثوق بها . فكان المسلمون الأوائل يعملون على هذا الأساس وصار يظهر من الشارع المقدّس من خلال سيرتهم وأقوالهم توسعة لحجية أخبار الثقات حتّى ولو لم تورث اطمئنانا ، ولا شكّ ان العقلاء يحصل عندهم عادة وثوق واطمئنان من خبر الثقة ما لم يوجد تعارض مع